الراديو المباشر
test
test

حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن

2:: أحمد زكي شحاتة

04:03:13 مساءً

الخميس 22 نوفمبر 2018

حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن

حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن

بقلم: أحمد زكي شحاتة أبوجبل
إنّ نظرةً عميقة لخريطة مصر، تكشف عن حكمةٍ ربّانية جعلت نيلها الخالد جسدًا له ذراعان ممتدتان تحتضنان فيما بينهما مسطحًا أخضرَ نابضًا بالحياة والحكايا أيضًا..

فإذا كانت الجغرافيا هي الجسد، فإن التاريخ هو الروح التي تشكّل وجدانَ شعب الدلتا اللائذ دومًا بالحراس، حراس الدلتا القابعين تحت قبابٍ وأضرحةٍ عدّة، أولياءَ صالحون يزورُهم الناسُ مستذكرين عظمة الخالق مهتدين بهم نباريسَ حقٍ عرفوا الله فعرفهم وقدروا الله فقدرهم وتواضعوا لله فرفعهم وقال فيهم «لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ».

ولأنّهم أولياء الله، ينحدر معظمهم من سلالة آل بيت المصطفى ﷺ يخصِصُ الناسُ لهم من صدقاتهم نصيبًا ومن نذورهم حصةً ومن أفراحهم جانبًا، ومن ثَمّ ينطلقون في الملمّات وأوقات الشدة إليهم يدعون الله تعالى من هناك، يحدوهم الأمل في الإجابة، فأنّى لا يستجابُ لهم وقد قدّموا الصدقات لله قربانًا في صناديق النذور التي تحملها أعمدة المقاصير وأسيجة الأضرحة.
ولحُبِّ المصريين -عمومًا- وسكّان الدلتا بوجهٍ خاص لآل بيت رسول الله ﷺ قد يغالون في الزيارة، فيتعلقون بالأستار ويتمرغون بالأعتاب، لكن تبقى الغاية نبيلة والهدف ساميًا؛ التقرب إلى الله. في الدلتا، حيث مصب النهر الخالد، يقف الناس حيارى مشدوهين، بمجاذيب اختاروا جوار العارف بالله أو الشيخة، فالتزموه ليلَ نهارٍ يقتاتون على الصدقاتِ، زهّادًا في الدنيا – قربى لله.

المجذوبُ الخالصُ يستشعر ناشفَ خبزِ الصدقة لحمًا وفواكه، والمتصدّقُ يتلمّس مجذوبًا إثر الآخر ينفحُه من فضل الرزاق، طمعًا في النعمة، كإجابةِ دعوة أو أمنيةٍ تتحقق أو بابًا موصَد قد يفتحُ مصراعُه. يزدادُ الإقبالُ على الأضرحة، في ذكرى المولِد، فتمد موائد عامرة بالخيرات، ويشد الأحباب رحالهم لجوارِ العارف بالله، وتَروجُ تجارةُ أهلِ البلدة وتحل البركةْ، وتقام الحلقات، يتخللها رقصٌ روحاني يدعونه ذكرًا، تصطف الأجساد وتهتز، وتدور كؤوس البركة، تتمايل معها الروح حتى تنفصل عن الجسد الفاني فتسبح في ملكوت الله، يبتهلون إلى الله ويدعونه فيجيب. 

في الحَضْرَةِ، يصطف خفيرٌ ووزير، كلٌ يدعو الله بقدرِه ويقدّم قربانه.. نوقًا وشياةً وطيورًا تحملها النسوة، يدعين الله أن يطعم محرومًا وييسّر للعانس يتوسّلن بآل البيت أن يرزق إحداهن الولد الصالح أو يرفع بأسَ البنت.

مجذوبون بشغلٍ دائم، سيّاحين بأرض الله، بصعيد المحروسة، أو في الدلتا، حيث مقام العارف بالله، الـ «سيد سالم»، لقّبه صلاح الدين بـ«جبارة» القادم من أرض المغرب، وسط وطيس المعركة الحامي يسقط سيف صلاح الدين الأسطوري، السيد يلتقط الجزأين فيلتئمان بقدرةِ قادر، فدعاه صلاح الدين بسالم، ومضى يجبر كلَّ سيوف الجيش الـ حطّمها دقُّ عظامِ الأعداء، وانتهت الحرب فقدم إلينا استوطن أرضًا يكسوها نباتٌ مبهج، تدعى أديون، وحين أراد الله لقاءَه دُفن هناك، وحين يجيء المولد سنويًا يحيي مريدوه الذكرى. 

يستمع الرُحّل لحكايات الكحريتة والشاذلي وقنائي.وأساطير تخطف ألباب المستمعين وتمتعهم، عن طفلٍ نشأ يتيمًا فتديسق واستوطن جرف النهر الخالد، ربّاه العمّ فغارت منه امرأته، إذ كان يفضّله العمُّ على الباقين، فدعاه لكي يحضر عشبًا ويسد الباب -باب الغيرة- ناوله «الشرشرةَ» وأمره، أن يحضر حزمة عشبٍ، ليعود قبيل الظهرِ يحمل خُفيّه، يتحسس خطواته، يسأله العمّ عن الأعشاب، ليجيب: هممتُ بقطعِ العشبِ فسمعتُ التهليل، فخشيت أن أقطع تسبيحه، فابتسم العم وربّت كتفيه وقال: بورك سيدنا إبراهيم. 

ينتقل الموكب ليحط بطنطا، حيث مقام البدويّ العارف بحدود الله، وتقول القصة: إنّ المركب كانت تحمل رهطًا هاج، إذ ماجت مركبُهم وانفرجت لججٌ كي تأسرهم طُعمًا للحيتان، فنادي الربّانُ البدويَ لتقودَ العاصفةُ المركب للشاطيء.. ينجو الركاب فيصوغون الأهزوجة «الله الله يابدوي، جاب اليسرى». 

حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن
حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن
حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن
حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن
حراس الدلتا.. أضرحة وقباب ومآذن


سياسة التعليقات لموقع احداث اليوم
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك