الراديو المباشر
test
test

الصيام وأثره في تهذيب النفس وترابط الأسرة

كتب :: بقلم :أ.د/ شوقي علام

06:06:08 صباحاً

الاثنين 20 مايو 2019

الصيام وأثره في تهذيب النفس وترابط الأسرة

الصيام وأثره في تهذيب النفس وترابط الأسرة

بقلم :أ.د/ شوقي علام - مفتى الجمهورية

يُعد الصَّبْرُ من أعظم الصفات والشمائل الدَّالة على الإيمان؛ ومن أكبر العلامات على الانقياد للشريعة والتسليم للحق سبحانه في الأحكام، ولذلك كان الالتزام بالصّبْر مُقدِّمةً للالتزام بكل الطاعات والعبادات، فقال سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: ٤٥)

 فقَدِّم الصبر على الصلاة – وإن كانت الصلاةُ أعظمَ الفرائض على الإطلاق –لأن الصبر وسيلة الطاعات العُظمى؛ فكَأنَّه قال: استعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله باعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي بحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم،( أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها) ولذلك صَحَّ عن سيدنا عبد الله بن مسعود موقوفًا الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان » : أنه قال وذلك لأن الإيمان نصفان: نصف صبر )« كله ونصف شكر، فالصبر مُعِين على العبادات والطاعات واجتناب المنهيّات، والشكر مُعين على استحضار ما أنعم الله به على المؤمن وتجديد الإيمان، فكل مؤمن يسير إلى الله بهذين الجناحين مُحَقِّقًا طاعة الله والابتعاد عن المحرمات والشبهات فقد أُوتي الإيمان كله.

وقَدْ بَيَّن العلماء أن الصبْرَ على ثَلاثة أنواع:

الأول: هو الصبر على الطاعات والأوامر التي شرعها الله على عباده وهي التي يتحقق بها معنى العبودية والامتثال لله.

والثاني: الصبر عن المَنْهِيَّات والمخالفات حتى يُحْجِمَ عنها ولا يقَعُ فيها.

والثالث: الصبر على ما قَدّره الله وقضاه عليه من المصائب والبليّات، حتى يتحقّق بمقام الرضا ولا يَتَسَخَّط بما كتبه الله عليه.

وهذه الأنواع الثلاثة لا بد على كل مسلم أن يتحقق بها ليحصل له كمال الإيمان ومعنى الاستقامة، ولهذا كان يقول الشيخ الإمام عبد القادر الجيلاني في كتابه فتوح الغيب "لا بد للعبد من أمرٍ يفعلُه ونَهْيٍ يَجْتَنِبُه وقَدَرٍ يَصْبرعليه".

ويُعْتبرُ الصيام من أعظم العبادات التي يتحقق فيها معاني الصبر؛ فإن الصيام لما كان هو الامتناع عن الشهوات المباحات كالطعام والشراب والجماع، وهي مما تميل له نفوس جميع بني آدم كان في الالتزام به صبرٌ على الطاعة وصبرعن المعاصي وهي إتيان ما حرم الله في ساعات الصيام، وصبر على قدر الله على المؤمن وهو شعوره بالجوع والعطش، فيكون باعثًا على تقوية النفس على الابتعاد عن المحرمات والكبائر بقية أيام العام، فإنَّ الذي يمتنع عن الحلال المعتاد بإرادته - وهو الزوجة والطعام  ولشراب – يكون قادرًا ومُهَيئا للابتعاد عن الحرام وما يُغضب الله سبحانه.

ولهذا المعنى صَرّح النبيُ صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ بأن رمضان هو شهر الصبر، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من الشهر صوم) .

، وفي حديثٍ آخر عن أبي الفضل يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه قال: سمعت رسول الله : صلى الله عليه وسلم يقول (صوم شهر الصبر - يعني رمضان -، وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وَحَرَ الصدر) ومعنى وحر الصدر أي ما فيه من غشٍ وغل وحقد، ولكون الصبر والإخلاص أعظم فوائد الصيام اختص الله سبحانه بمضاعفة أجره بغير حصر لعشرة أضعاف أو سبع مئة ضعف كما ورد في مضاعفة أجر أعمال أخرى، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان في صحيحيهما، واللفظ لمسلم:كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله –عز وجل-: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي ويظهر من قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة أن ترك الطعام والشراب طمعًا في رضا الله واحتساب الأجر عنده هو سبب هذا الأجر العظيم الذي لا يعلمه أحد إلا الله، وذلك تنبيها على فضل الصبر وحبس النفس عما ترجو وترغب من الشهوات التي أباحها الله لعباده في غير رمضان.

ومن ثمرات الصيام تحقيق معنى الإحسان والإخلاص وهما أعلى مراتب العبوديّ وأكمل مراتب الدين الذي نزل على سيدنا محمد؛ كما جاء في حديث جبريل المسمى بأمّ السّنة في قوله الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

فإن الصيام من العبادات ، التي لا يطلع عليها غالبا أحد؛ لأنه ترك وامتناع، ويستطيع المؤمن أن يأكل أو يشرب خِلْسة دون أن يراه أحد، فهو عبادة لا مجال فيه للرياء، وهذه هي أعظم الغايات التي جاء بها الرسل: قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) "البينة"

وإذا قَوِيَ الإحسان وتمكّنت المراقبة من قلب المؤمن كان ذلك بابًا للوقاية من جميع الشهوات والآثام والبعد عنها، وقد وضّح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك: بقوله كما في الصَّحِيحَيْن "الصيام جُنَّة، وإذا  كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم" ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: الصِّيَام جنة أنه حِجاب يسترُ الصائم من المعاصي  وأهواء النفس وشهواتها ورعوناتها، يقول ابن الأثير: ” الصوم جنة:أَيْ يَقِي صاحِبَه مَا يُؤذِيه مِنَ الشَّهَوات. والجُنَّةُ: الوِقَايَة".

فالعبد ما دام مراقبًا لربِّه في أحواله جاعلًا إياه أمام ناظِرَيْه فإنه يكره الخروج من مقام الإحسان بعداوة الخلق أوالتعدي عليهم بسبٍ أو قتال أو غيبة أو نميمة، فإن القلب إذا صانه العبد عن التعلق بغير الله كان العبد مصونًا من الشهوات ورعونات النفس، ففي الصيام تحقيق العبد الرقابة الذاتية على نفسه، عن طريق غرس الوازع الديني في نفس المؤمن للبعد عن المعاصي والفواحش والالتزام بالطاعات والأوامر، وهذا الوازع الديني من أعظم الأسباب التي وضعها الشرع لصيانة المكلفين والمجتمع عن وصول المفاسد الدينية والدنيوية إليهم.

ومعنى هذا أن الشريعة الإسلامية المطهرة في سبيل بسط نفوذها على أفعال المكلفين لتحقيق مقاصد الشريعة فإنها خاطبتهم بأنواع مختلفة من الدوافع الباعثة لهم على الالتزام بالتكاليف الشرعية، والزَّاجرة لهم عن التهاون بحقوقها، فمن هذه الدوافع الوازع الطبعي والجِبلّي الموجود عند كل البشر حيث تبعثهم على جلب المصالح ودفع المضار والمفاسد، ومن ذلك أمر الشارع للمؤمنين بحفظ أنفسهم ودفع الضرر والهلاك عنها، وكذلك أمرهم بالنكاح والتناسل وغيرها، فقد رَكَّب الله في طباع الناس بحسب أصل الخلقة ما يدفعهم إلى ذلك ولكن؛ لأن الطبيعة البشريّة كثيرًا ما تجور على صاحبها بسبب ما رُكب فيها من الحرص والطمع، وتعلقها بالشهوات التي تضر الإنسان ما لم تُهذَّب خاطب الله عباده بواسطة الوازع الديني، وهو وازع الإيمان بالله واليوم الآخر وتحقيق التقوى والخوف من الله وتعظيم أوامره واجتناب نواهيه، ولا شك أن الوازع الديني أو الشرعي يختلف من إنسان لآخر ومن مكلف لآخر بحسب قوة الإيمان واستقامة النفس وتعلقها بالله سبحانه، بخلاف الوازع الجبلي أو الطبعي فإن نفوس البشر كلهم مشتركون فيه، ثم يأتي بعد ذلك الوازع السلطاني وهو المتعلق بتنفيذ العقوبات والحدود على المخالف للأوامر الشرعية التي نص الشرع على عقوبة فيها؛ حتى يكون ولي الأمر قائمًا بحق الشرع في صيانة الدماء والأعراض والأموال ودين المسلمين لكل من سوّلت له نفسه الاعتداء على واحد منها؛ ليستقر المجتمع وتحفظ حقوق الله وحقوق عباده.

وهذا الوازع الديني الذي يتحقق بالصيام بما فيه من إخلاص وصدق وهمة على الطاعة، وتهذيب لشهوات النفس وكبح جماحها هو المعتبر في الالتزام بأكثر التكاليف الشرعية؛ لأن العقوبات والحدود ليست متعلقة إلا بقليل من المناهي، فيبقى الرجاء والخوف والإخلاص بواعثَ على التزام المؤمنين بحكم الشرع في كل كبيرة وصغيرة، فيتحقق تهذيب النفس وصلاح المجتمع.

الصوم وترابط الأسرة

ومن الصور الجميلة الراقية التي يكون الصيام سببًا فيها في شهر رمضان، اجتماع الأسرة الواحدة على الطعام ساعة الإفطار مع كثرة التزاور وصلة الرحم، فلا يمرُّ الشهر إلا وقد تلاقى كل أفراد الأسرة وإن كانت بيوتاتهم وإقامتهم متباعدة، وفي ذلك صورة واضحة على أثر الصيام في تقوية صلات المحبة والرحم بين المؤمنين، ولهذا المعنى كان يقترن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم إطعام الطَّعام مع صلة الرحم، فعن عبد الله بن سلام:" لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة استشرفه الناس فقالوا: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فخرجت فيمن خرج، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب فكان أول ما سمعته يقول : " يا أيها الناس أفشوا السَّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام".

فأنت ترى أن إطعام الطعام مقترن بصلة الأرحام، وذلك لأن خير الصّدقة وخير البِرّ ما كان للأقربين، فهم أولى من غيرهم كما دلّت عليه نصوص الشّرْع، كما في قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ)( البلد).

فالثواب العظيم لكل من أطعم الطعام في أيام المسغبة وهي أيام الشدة والجوع وزيادة الفقر والفقراء والحرص والخوف عند الأغنياء، ثم وصى الحق سبحانه باليتيم خاصة إن كان من الأقرباء في قوله: يتيما ذا مقربة، أي من ذوي القربى؛ لأنه آكد في الإحسان إليه والاهتمام به، وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم في اهتمام الشرع بإطعام الأقارب أكثر من غيرهم فقال فيما أخرجه الحاكم في المستدرك وأحمد في المسند عن سلمان بن عامر الضبي، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صدقة وصلة) وهذا هو السر في كون شهر الصيام فرصة عظيمة عن طريق الاجتماع على طعام الإفطار لتقوية أواصر المحبة بين الأهل والأسرة.

وكذلك جعل الحبيب صلى الله عليه وسلم إطعام الطعام مما يوجب دخول الجنة، فعن هانئ بن يزيد، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء، يوجب لي الجنة، قال:" عليك بحُسْن الكلام، وبَذْلِ الطَّعَام" وذلك لحب الناس الاجتماع على الطعام وأثره في إذهاب الشدة والجوع عنهم وكذلك لأثره في زيادة المحبة بينهم.

وكذلك وردتْ السُّنة بالحث على الاجتماع على الطعام وفضله وأثره في حصول البركة لأهل البيت والمطعومين فعن وحشي بن حرب عن أبيه

عن جده وحشي -رضي الله عنه-، أن أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، قال: (فَلَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ مُتَفَرِّقِينَ؟) قالوا: نعم قال: (فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ) ومن فضل الصيام في رمضان وأثره في تقوية روابط الأخوة والمحبة بين الأسرة الواحدة، حرص الشرع على النهي عن التخاصم والجدال وإذكاء العداوات في الشهر الكريم، وذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم :" وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم" ولا شكّ أن الحديث وإن كان لفظه عامًا في كل مؤمن إلا أنه يتأكد في حق ذوي القربى وأهل الأرحام مصداقًا لتشديد الشرع على الاهتمام بحقوق الأهل والأقارب كما في قوله سبحانه:( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) (النساء).

فلذلك يَحسن ما نراه من عموم المسلمين من الأسرة الواحدة في ذلك الشهر الكريم، إن قطع الهجر إن كانت هناك خصومة بينهم، وإرجاع الحقوق والحرص على إصلاح ذات البين بين الأخوة والآباء والأبناء وذوي الرحم؛ فإن رمضان فرصة عظيمة لدحر الشيطان وانتصار النفس عليه وعلى أمراضها بالتخلي عن الحسد أو الحقد أو العداوة وكذلك الكبر الذي يكون مانعًا من استمالة قلوب الأقربين والتماس الأعذار لهم والاعتذار لهم عن الإساءة وكل ذلك رتب الله عليه أعظم المثوبة في الآخرة.

ومن العادات الحسنة التي ترقى بالنية لأعظم العبادات ما يقوم به المؤمنون لا سيما أهل مصر من إقامة موائد الرحمن على مدار الشهر في

الإفطار والسحور، لإطعام ذوي الحاجة والفقير وابن السبيل مع التكلف للغاية في إظهار الحفاوة والإكرام والترحاب بزوارهم وضيوفهم؛ استجابة

لأمر الله ورسوله في إطعام الطعام وإظهار الكرم في هذا الشهر الكريم؛ خاصة بين الأهل والجيران وأهل الحي الواحد والبلد والواحد.

والشريعة وإن أكدت على فضل صلة الرحم سائر أيام السنة، لكننا ندعو جميع المسلمين إلى استثمار هذا الشهر الكريم في زيادة الاهتمام بوصل القريب والصدقة على الأهل ونزع العداوة والبغضاء بين أفراد الأسرة والمجتمع، وإن لم يكن هو البادئ بالقطيعة عملًا بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم :( ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها) كما ندعو جميع الأئمة والخطباء والوعاظ إلى التأكيد على أهمية صلة الرحم في رمضان، وبيان فضل إفشاء السلام وإطعام الطعام فيه، حتى نحيا في مجتمع قوي متراحم لا تفتُّ النزاعات والكراهية في عضده، ويحيا على مراد الله مُحققًا الغاية والحكمة من الصيام وهي تقوى الله- عز وجل- الواردة في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) .

وكل عام وجميع القراء الكرام والمسلمين في العالم بخير.

 

 

 

 

 

 

المقال نقلا عن مجلة الأزهر

الكلمات المفتاحية


سياسة التعليقات لموقع احداث اليوم
إن جميع التعليقات والمشاركات المدونة هنا إنما تعبر عن رأي كاتبها . ويكون مسئولا" عنها مسئولية قانونية وأدبية عن هذه التعليقات والمشاركات. ونهيب بجميع القراء والزوار الابتعاد عن التعليقات غير الهادفة أو التي تسئ لأي شخص أو جهة بأي حال من الأحوال .
التعليق بالفيس بوك